السيد كمال الحيدري
167
المذهب الذاتي في نظرية المعرفة
الأمثلة والشواهد التي شملها الاستقراء الناقص ، إذ يتألّف عندئذ قياس منطقيّ كامل يستمدّ صغراه من الأمثلة والشواهد وكبراه من ذلك المبدأ العقلي ، ويصل في النتيجة إلى أن إحدى الظاهرتين المقترنتين في الاستقراء هي السبب للأخرى ، وما دامت هي السبب فسوف تقترن بها دائماً في جميع الحالات . وهكذا نعرف أن المنطق الأرسطي حين يؤكّد في بعض نصوصه أن الاستقراء الناقص لا يفيد علماً ويؤكّد في مجال آخر أن التجربة تفيد العلم ، يريد بالاستقراء الناقص الذي لا يفيد العلم مجرّد التجميع العددي للأمثلة دون إضافة أيّ مبدأ عقليّ مسبق ، ويريد بالتجربة التي تفيد العلم تلك الأمثلة فيما إذا أتيح تطبيق مبدأ عقليّ مسبق عليها وتأليف قياس منطقيّ يبرهن على السببية من مجموع ذلك . قال ابن سينا : « ولقائل أن يقول ما بال التجربة تفيد الإنسان علماً بأنّ السقمونيا تسهّل الصفراء على وجه يخالف في إفادته إفادة الاستقراء ، فإن الاستقراء إما أن يكون مستوفي الأقسام وإما أن لا يوقع غير الظن الأغلب ، والتجربة ليست كذلك . . . فنقول في جواب ذلك إن التجربة ليست تفيد العلم لكثرة ما يشاهد من ذلك الحكم فقط بل لاقتران قياس به قد ذكرناه » « 1 » . ويشير بذلك إلى كلام سابق له يشرح فيه كيف يقوم العلم والبرهان على أساس التجربة إذ يقول : « إنه لما تحقّق أن السقمونيا يعرض له إسهال الصفراء وتبيّن ذلك على سبيل التكرار الكثير ، علم أن ذلك ليس
--> ( 1 ) منطق الشفاء ، البرهان ، ابن سينا ، ص 46 ، نقلًا عن الأسس المنطقية للاستقراء ، 35 .